في العام التاسع للنساء الآن، تكتب مُؤسِسة المنظمة الكاتبة سمر يزبك هذه الرسالة:

في العام التاسع للنساء الآن، تكتب مُؤسِسة المنظمة الكاتبة سمر يزبك هذه الرسالة:

“النساء الآن” دفاعاً عن الكرامة والتمرد

قد يبدو غريباً أن أبدأ كلامي عن “النساء الآن” بما هو شخصي. هذا لا يشبه عادةً في مناسبات كهذه تفترض كلاماً تقريرياً، لكنّ الشخصي بالنسبة لي هو السياسي والسياسي هو الشخصي في الوقت نفسه.
لقد كنت مفتونةً منذ أمدٍ بعيد بتلك الرسائل المبثوثة في عتمة وحشيّة التغييرات البشرية؛ رسائلٌ مفادها: نعم، هناك ضوء بعيد في آخر النفق. في بداية حياتي كنت متمردة على مجتمعي وخارجه عنه، ولو عادت تلك الأيام سأدافع مجدداً عن تمردي. نعم لم أندم منذ قرّرت كسر حواجز التقاليد المجتمعية. لقد هربت من كل أنواع التقاليد مدفوعةً بفكرة الحرية وكسر عبوديتي. تلك العبودية المرعبة التي عرفَتها الكثير من النساء المتمردات، تضاف إليها عبوديتنا السياسية رجالاً ونساءً. كان الثمن فادحاً. كان ذلك في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. الثورة على التقاليد ونفاقها وعلى إزدواجية قواعد المجتمع، كانت دائماً جزءاً من فكرتي عن ثورة سياسيّة أعمّ وأشمل تتطلب منّا عدم الالتفات إلى أخدود الآلام الذي قد تخلفه في نفوسنا. لقد شكلت حريتي الشخصية دافعاً مهماً لي كامرأة. الحرية كفعل مسؤولية وإنتاج أدبي وفكري. الحرية كفعل حركة وارتباط بتغيير المجتمع وتثويره، تغييره عبر السلوك الفردي أيضاً.
في 2011 بدأت الثورة. كنت في عمر تعددت فيه هويّاتي الأدبية، محصنةً بثبات داخل المكان الذي سمّته فرجيينا وولف “غرفة تخص المرء وحده”، كنت أعمل بلا توقف حتى أعيش بكرامةٍ. كرامةٍ انتظرها كلّ السوريين، منشغلةً بعالمي الأبهى المسمى “الكتابة الروائية”، وفي كسب معركتي الشخصية للعيش كامرأة مستقلة حرة كريمة.
لم يكن ليخطر في بالي ولا حتّى في أسوأ كوابيسي أنّي سأضطر لإلغاء هذا الشخصيّ الكريم أمام المحارقَ العديدة التي أُشعلت لي. كنت ساحرة القرون الوسطى التي تلاحقها محاكم التفتيش، تلك الساحرة التي لا تموت في كل مرة. بدأت تلك المحارق عبر مواقع إلكترونية تابعة لأجهزة النظام السوري ومخابراته، لنزع مشروعيتي فيما أكتبه عن فظائعه، وكان هذا سهلاً بالنسبة لامرأة صنعت ثورتها على المجتمع في وقت مبكر. أعادت تدويرَ تلك الأكاذيب مجموعاتٌ من الأوساط الثقافية عندما بدأتْ كتبي وسرديتي عن المقتلة السورية تنتشر دولياً، لكنّ تدوير كل ذلك العنف لم يقتصر على هذا فحسب، فالانقسام في هويّتنا الجماعية السورية كان قد فعل فعله. أشعلت مجموعات من معارضي نظام الأسد محارقها الطائفية، ومعارضو الثورة كانوا قد بدأوا قبل ذلك بمحارق طائفية رهيبة. كانت محارقَ لم تتوقف خلال السنوات الماضية من مختلف الأطراف، ولكنّي صمتُّ عن كلّ أنواع التلفيق والتزوير والكيد. لقد ابتلعت الشر. إلغاءُ الشخصي أمرٌ لم أفعله قبلاً ولكني فعلته في الثورة والحرب، قلت لنفسي: كما هي قضيتنا التي بدأت من هناك، من تلك الكرامة التي حلمنا بها كسوريات وسوريين وتمردنا بها على عبوديتنا، كان عليّ أن أكون على قدر نبالتها. هكذا ما زلت أفترض، رغم تبدل الأحوال ودخولنا في حرب جحيمية. لقد قتلت الوحش الذي كان مفترضاً أن ينمو بداخلي والذي كان يجب أن يبدأ باللامبالاة تجاه آلام الآخرين، ثم وازنت في داخلي بين هوياتي المتعددة، لأنّ الروائية الفنانة التي احترقت بلهيب الهشاشة، دفعت الثمن الأكبر. لقد توقفت سنواتٍ عن كتابة الراوية لإنجاز مشروعي الطويل عن الذاكرة؛ من “تقاطع نيران” إلى “بوابات أرض العدم” ثم “تسع عشرة امرأة”، وكان هذا شكلاً من منفى جديد يتشابك مع منافٍ كثيرة عشتها في حياتي، وقد كان ثمناً مستحقاً أمام هول فاجعتنا.
نعم نستطيع أن نكون نساءً مستقلاتٍ، نعمل ونكتب خارج حدود السائد النمطي، الثقافي والديني والمجتمعي، ونكون مسؤولاتٍ عن أعمالنا وخياراتنا دون أن يُنظر إلينا من خلال عين التلصص الجسدي التي تبدأ بالإنتهاك الشخصي أولاً، ودون إسقاط أهليتنا العقلية الابتكارية ثانياً. كان هناك أيضاً ومن جديد ذلك الضوء الخافت الذي يقول: إنّ معركتي أنا هي معركة كلّ النساء القادمات والسابقات والحاضرات، لم يكن همي النجاة من المحارق، لقد احترقت فعلاً، ولكني لم أمت. كنت أفكر أن هناك طفلات سوف يكبرن ويصرن نساء وربما بعد سنوات طويلة سوف ينتظرن نهاية قصتي، نعم الروائية في داخلي، المحتمية بقوة المخيلة دافعت عني، ولأنّ الأدب قوة جبارة حمتني دوماً. أنا التي انتزعت عن نفسي وعن سابق قصد وإصرار كلّ أشكال الحماية المرهونة بالعبودية.
ولمَ أقول الآن ما أقوله، بعد هذه السنوات! ما هو الداعي في إقحامه هنا عدا عن إيماني بأن الشخصي هو سياسي والسياسي هو شخصي.
لم يكن مشروع “النساء الآن” إلّا أحد أشكال الحماية وأحد أطواق النجاة من الانزلاق نحو عنف الرداءة الإنسانية وهو ألطف ما يمكن لي تسميته فيما حصل معي خلال السنوات السابقة. لقد كنت مع “النساء الآن” محمية وأنشط بأمل غامض وطاقة حارة لا متناهية في العمل والكتابة والسفر، وأمام عيني تلك “السوريا” التي لم تعد إليّ.
هذه المقدمة التي كان يجب أن تكون أطول بكثير، هي للفريق الذي نعمل معه، أكتب لهن ولهم عن نفسي، هذا امتنان شخصي لكلّ ما مرّ معنا في السنوات الماضية، وأيضاً ونحن ندخل سنتنا التاسعة: في خضم عذاباتنا اليومية. في ضعفنا وقوتنا. في حربنا وسلامنا. في خيرنا وشرنا. في التباس الرؤية وفي وضوحها. في سوء الفهم وفي التمعن والتفكير. في هوياتنا الممزقة والمتداخلة. في قسوتنا ورقتنا. في إصرارنا على الانفتاح والمشاركة، وفي نزقنا واختناقنا. في مدّ أجسادنا كجسور بين أبناء جلدتنا، وفي تقطيع حبل السرّة أيضاً. في سهولة القتل وفي الرحمة والصفح؛ هناك دائماً ما هو قابل للصفح وحرث الأرض لنثر بذور العدالة.
نعم أستطيع الآن القول: لقد عرفت المكان الذي أتيت منه.
المعرفة بصناعة الشر وتشكّله وتعاقبه بين الأدوات والضحايا أهون من إنكاره. نفي وجوده هو استعدادٌ أولي لثباته. أما معرفته فهي احتمالية لزواله، وهو ما نفعله معاً في فريق “النساء الآن”.

لماذا النساء الآن “سوريات سابقاً؟

في سنة 2012 حيث كنت أعتقد أنّه بإمكاني العودة نهائياً إلى سوريا من الحدود الشمالية، وجدت أنّ أفضل ما يمكنّنا من تحقيق فكرة الثورة هو العمل من قلب البنى التحتية في المجتمع، وإيجاد إطار تنظيمي بعيداً عن أطر السياسة التقليدية، وكان الخيار إتاحة هامش حركة كتنظيم مجتمع مدني. أهم أسباب تفكيري بالعودة -عدا الإحساس بالذنب الذي يعاني منه أغلب الذين خرجوا من سوريا، نحن الذين نجونا ولم ننج تماماً-هو في أن أغدو جزءاً من واقع الناس، وأنّ المثقف لديه أدوار متعددة، لست من أصحاب نظرية الفن للفن تماماً، في مكان ما من تعدد هوياتي يوجد هذا الشق المؤمن بالفاعلية الفردية المتناذرة على طريقة “غرامشي”، وبهذا أُسست المنظمة رسمياً في حزيران سنة 2012.
كان العمل من سنة 2012 حتى 2013 مكثفاً وجنونياً لأن العنف كان رهيباً، خلال هذه السنة تكوّنت لدي رؤية مشروع بديل لخدمات دولة مدنية، تتلخص بفكرة إنشاء مراكز للنساء بوصفهنّ الأكثر تهميشاً وضرراً واستعباداً، كنت قد زرت حينها بعض المناطق التي خرجت عن سيطرة نظام الأسد في ريف إدلب، وهي نفس المناطق التي احتلتها بعد ذلك المجموعات العسكرية الجهادية. أردت حينها أن أفهم ما يحصل وأكتب عنه، وهناك ومن واقع الأرض بدأت فكرة إنشاء المراكز. جبت القرى في ريف إدلب والتقيت بالنساء، كانت قد تكونت في رأسي خارطة عن أهمية العمل عبر شبكات وتحويل القدرات الفردية والمبادرات المحلية إلى عملٍ جماعي، وربط الجغرافية السورية كجزء من فكرتي عن سوريا واحدة عبر تجمعات نساء من عدة مناطق جغرافية وأديان وطبقات اجتماعية مختلفة. حينها كنت أقضي الأوقات مع مجموعات كثيرة باحثين بشغف عمّا يمكن فعله لرأب صدع نتائج العنف الحاصل على الناس نتيجة القصف والدمار. كتبت المشروع وأرسلته لعدّة فاعلين وفاعلات في الداخل السوري لنبدأ العمل عليه، ثمّ استقر الرأي على العمل في غوطة دمشق وريف إدلب.
ربطتني بالصديقة المحامية رزان زيتونة علاقة عمل دؤوبٍ على عدّة مشاريع قبل إطلاق مراكزنا، أرسلت لها مقترح المشروع كواحدة من بين من وصلهم مشروعي في الغوطة وإدلب، واتفقنا على العمل معاً.
كانت فكرتي أن يكون في ريف إدلب خمسة مراكز للنساء وأطفالهن، وفي غوطة دمشق ما يعادلها، كلّ مركز يحتوي على عدة أقسام للتمكين التعليمي والثقافي والاقتصادي والنفسي، لقد آمنّا أنه رغم العنف نستطيع البناء ودعم من بقي للبقاء ضمن شرطٍ إنسانيّ.
في نهاية شهر آب بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة سنة 2013 ودخول داعش خرجتُ من سوريا للمرة الأخيرة عبر الحدود الشمالية، وبينما رزان محاصرة مع غيرها من السوريين والسوريات في دوما، قررنا البدء بالعمل، حينها كانت قد انضمت الدكتورة مارية العبدة إلى فريقنا وهي من بدأت مع رزان بتنفيذ المشروع.
بعد أشهر اُختطفت رزان وسميرة الخليل وناظم حمادي ووائل حمادة، بعد أن كنّا باشرنا العمل في المراكز الأخرى في باقي المناطق، لقد كانت رزان زميلتنا وشريكتنا التي اختطفتها وأصدقاءها مجموعات عسكرية إسلامية، لا نعرف أيّها بالتحديد، ولكنّ المرجح أنّ جيش الإسلام هو من فعل ذلك.
كنت أعمل حينها مع رزان على إعداد قائمةٍ بأسماء الكتب التي يجب أن نوزعها على المكتبات، إذ كنتُ قد أدرجت ضمن خطة المراكز مكتبةً خاصة لكلّ منها، وكانت آخر رسالة الكترونية وصلتني منها قبل يوم واحد من غيابها، وكان حديثنا الأخير عن تلك الكتب. حينها كان اسم “النساء الآن من أجل التنمية” هو “سوريات من أجل التنمية”

لماذا غيرنا اسم “سوريات من أجل التنمية” إلى “النساء الآن”؟

كانت رزان قد أنشأت مركزاً للخياطة والصوف من أجل النساء في الغوطة وسمّته باسم “النساء الآن”، و أدارته “سميرة الخليل”. اتفقنا عندما قررنا العمل معاً أنّ يتمّ ضمّ المشغل إلى قسم التمكين الاقتصادي، وهو ما حصل، وبقيت سميرة في إدارته حتّى ساعة خطفها المقيتة.
بعد خطف زميلتينا، أردنا تكريمهما وتثبيت حضورهما وفاعليته، أردنا أن نقول لهما، لقد كنتما معنا في سنوات الغياب، وسنظل معكما في سنوات المستقبل. لقد قررنا بالتصويت بيننا كفريقٍ أن نطلق اسم “النساء الآن” على المنظمة بأسرها. نحن ننتظرهما، وكلّنا أملٌ أن تعودا إلينا وتريا قوة الإرادة والشغف وما حققته شبكة المراكز في غيابهما. إنّها طريقتنا الوحيدة للمقاومة وفي سلب من خطفهما معنى غيابهما عنّا.

الدخول في السنة التاسعة “النساء الأن”

بدأت “النساء الآن” بقلب وعقل سورييْن، بجهود تطوعية ولاحقاً بمبلغٍ صغير حصلتُ عليه من جوائز أدبية.
عملت بداية مع “النساء الآن” كواحدة منهن، متطوعة مثل كثيرات، نحن من نقرر ونفكر بناء على مشاورات مع الفريق الموجود على الأرض، يبدأ القرار من الأسفل الى الأعلى ويستكمل دورته بحوارٍ متواصلٍ واختلافٍ واتفاقٍ بالأفكار لا يتوقف بيننا.
نحن حيويّات بعقلٍ حار، متعبٌ ولكن غير يائس، كنّا نستمد القوة من شجاعة النساء ومقاومتهن على الأرض ونحن نعبر معهن الأهوال في التهجير والقصف والاعتقال والتعذيب والمنفى واللجوء والنزوح، لم نقم بمواجهة مباشرة لتقاليد المجتمع، نعرف أنّ الطريق ما يزال طويلاً، لقد قمنا ببناء علاقة ثقة وبتقديم خدمات لدعم المجتمع. بناء وتقرير برامجنا كان يتم بناءً على احتياجات واقتراحات النساء أنفسهن اللواتي نعمل معهن على الأرض، كان من أهمّ أهدافنا هو التوجه للنساء والفتيات ببناء علاقةٍ مباشرة مع المجتمع المحلي سواء داخل سوريا أو في المخيمات في دول اللجوء خاصة في لبنان. كنا ندرس وضع البيئة المحلية والمجتمع ونجتمع مع النساء ونضع الخطط، كان هذا جزءاً من استراتيجية عملنا ورؤيتنا عن العملية التبادلية الديمقراطية وإصرارنا على جعل المبادرات النسائية المحلية أولوية لنا كنوع من خلق مساحةٍ للابتكار العقلي والمعرفي لديهن، لقد أُعطيت المساحة الخاصة لهن للبناء والإبداع. الأهمّ من ذلك أنّ هذه المراكز كانت موصولة ببعضها البعض، ممّا أعطاها بعداً وطنياً.
في مجال الحماية لدينا برامج استثنائية للدعم النفسي لحماية النساء والفتيات من كافة أشكال العنف، لقد طوّرنا دليلاً تدريبياً خاصاً بنا وبتجربتنا وبرؤيتنا لدعم النساء أثناء الحرب وسوف نضعه في خدمة المؤسسات المهتمة بتطويره وهو حول الأماكن الآمنة للنساء. إن الدعم النفسي لا نقوم به من أجل النساء فقط، بل ومن أجل الأطفال أيضاً.
في التمكين الاقتصادي اشتغلنا على بناء الكوادر الإنسانية. لديّ مثال قريب وهو في إحدى مناطق عملنا، في ريف إدلب قمنا بتدريب وتخريج 180 سيدة، حصلن على وظائف خلال سنة واحدة، مما وفر لهن حياةً اقتصاديةً مستقلة وحرية أكبر في العيش رغم أنهن كنّ في مناطق ريفية تخضع لسيطرة الكتائب الجهادية وكنّ في نفس الوقت يتعرضن للقصف. في منطقة أخرى في غوطة دمشق، قمنا بمسحٍ لتوثيق أسماء النساء الأكثر فقراً وتهميشاً وبدأنا معهن مشروعات اقتصادية صغيرة، وأثناء عملنا معهن دعمنا بعضهن ممن لديهن قدرة على التطور والإدارة. أدارت تلك النساء لاحقاً مشاريعهن الخاصة والمستقلة، بقينا معهن حتّى انطلقن لوحدهن، وتحولن إلى نساء مُبادراتٍ ورائداتٍ وصاحبات مشاريع.
كانت وما زالت عملية التمكين السياسي وبناء القيادات المجتمعية جزءاً من برامجنا، وطورنا دليل تدريبي في هذا المجال عبر تجربتنا القاعدية على الأرض، إضافة الى عملية التمكين الاقتصادي وكان هذا صعباً على عدّة مستوياتٍ لأنّ الحرب قائمة وحرب المجتمع على النساء موجودة في الأساس، وكانت التحديات مرعبة.
لقد عملنا مع النساء في مشروع “التاريخ الشفوي” ودعمنا حملة “عائلات من أجل الحرية” بالشراكة مع منظماتٍ أخرى. واستمراراً لهذه المشاريع قمنا بمشروع دعم النساء المهجّرات قسرياً في أوروبا وبلدان اللجوء وحتّى مع النساء المهجرّات قسرياً في الداخل السوري، ودعمنا المبادرات النسائيّة التي نشأت مستقلة عنّا، وكان لدينا إضافة إلى ذلك النساء اللواتي تدربن لدينا وأردن تأسيس مبادراتٍ نسائيّة مستقلة، فقمنا بدعمهن لينشئن مراكزهن الخاصة، والمبهج في الأمر أنّ “النساء الآن” تحوّلت إلى آلة لتوليد تجمعات نسوية تنموية غير تابعةٍ لها.
إنّ عملنا على موضوعي البناء والمشاركة أطلق عدّة مشاريعٍ منها ما يقوم بها رجال ونساء وفتيات، مثل حملتنا الأخيرة ضدّ الزواج المبكر وهي حملةٌ يقودها أصحابها في مراكزنا في لبنان من الرجال والنساء والفتيات معاً. لم تكن حملةً دعائيةً جاءت بأمرٍ إداري أو بيروقراطي، لقد جاءت من بنية تحتيّة نظّمت النساء فيها أنفسهن وقرّرنها مع الرجال.
من الناحيّة الثقافيّة، إضافةً لإنشاء مكتبةٍ في كلّ مركز، كنّا نعرض الأفلام ونقيم دوراتِ محو أميّةٍ في القراءة والكتابة والمعلوماتية أيضاً، وأنشأنا مراكز للأنترنت خاصةً بالنساء، لأنّ المجتمع يمنع اختلاط الرجال بالنساء في بعض المناطق. كما أنشأنا حضانة لأطفال النساء في كل مركز.
نعمل مؤخراً على تطوير برامجنا وأقسامنا فيما يتعلق بالمجال البحثي الجندري والحقوقي حيث تقود الباحثات الشابات عملية التراكم المعرفي التي نتوخاها، ولدينا طموح لتطوير أبحاثنا وتأسيس قسمٍ للأبحاث والأرشفة يتضمن أيضاً ورشات تدريب باحثات وباحثين.
رغم التحولات المجتمعيّة العنيفة التي نعيشها الأن، ما زلنا مصممين على الاستمرار والعمل على فعل التغيير. لدينا تحديات هائلة، لكن ما نعرفه في “النساء الآن” أنّنا بدأنا، ولن نيأس من الاستمرار ومحاولة إعطاء الناس الصوت والحق؛ الحق بالتمرد. الحق بالكرامة. الحق بالعدالة.